الثقافة كأداة بناء”: تحليل لجهود الدولة المصرية في تشكيل المشهد الثقافي

في قراءة المشهد المصري المعاصر، يتضح أن “الثقافة” لم تعد تُعامل كـ “قطاع ترفيهي” أو “هامشي”، بل تم دمجها كـ “محور استراتيجي” في صلب رؤية الدولة. منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، تم التعامل مع الثقافة كـ “أداة قوة ناعمة” (Soft Power) موجهة للخارج، وكـ “أداة بناء هوية” موجهة للداخل.

هذه الجهود لا يمكن تحليلها كقرارات منفصلة، بل كـ “مشروع متكامل” يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: (1) تجديد “البنية التحتية” (الأجهزة)، (2) وإعادة إحياء “الهوية الوطنية” (الرسالة)، (3) و”الانتشار والوصول” (البرمجيات).


المحور الأول: “الأجهزة” (تجديد البنية التحتية المادية)

لا يمكن تقديم “منتج” ثقافي بدون “المسرح” الذي يُعرض عليه. أدركت الدولة أن البنية التحتية الثقافية المادية كانت متهالكة أو متركزة في العاصمة.

  • المشاريع الكبرى (The Mega-Projects): يأتي على رأس هذا المحور مشروعان عملاقان يمثلان “واجهة” مصر الثقافية الجديدة: “المتحف المصري الكبير” (GEM)، الذي لا يُعد مجرد متحف، بل “رسالة” عالمية عن مكانة مصر التاريخية والحضارية. وبجانبه، “مدينة الفنون والثقافة” في العاصمة الإدارية الجديدة، التي تضم (دار أوبرا جديدة، مسارح، مكتبات، ومتاحف) صُممت لتكون “القلب” الثقافي الإداري للدولة الحديثة.
  • الترميم وإعادة الإحياء: بدلاً من بناء جديد فقط، تم ضخ استثمارات هائلة في “ترميم” الأصول التاريخية التي كانت منسية، مثل (قصر البارون، قصر محمد علي بشبرا، ومتحف المركبات الملكية). هذه الجهود لا تحافظ على التراث فقط، بل “تعيد تقديمه” للجيل الجديد كأماكن جذب.

المحور الثاني: “الرسالة” (إعادة إحياء الهوية الوطنية)

كان هذا هو المحور “الأكثر وضوحاً” للعالم. تم استخدام “التاريخ” المصري كأداة لـ “صناعة الفخر” الوطني.

  • “الاحتفالات المهيبة” (The Grand Spectacles): مثّل حدث “موكب المومياوات الملكية” (2021) نقطة تحول. لم يكن “نقلاً” للمومياوات، بل كان “احتفالاً” عالمياً بالهوية المصرية، تم تصميمه ببراعة ليخاطب “الفخر” في الداخل و”الانبهار” في الخارج. تكرر هذا النجاح في افتتاح “طريق الكباش” في الأقصر. هذه الفعاليات نجحت في “إعادة تعريف” العلامة التجارية (Brand) لمصر، والانتقال بها من صورة “الأحداث السياسية المضطربة” إلى صورة “الحضارة العميقة”.
  • “صناعة المحتوى” (Content Creation): شهدت الدولة توجهاً واضحاً نحو “ضبط” و”توجيه” المحتوى الدرامي والسينمائي (عبر آليات الإنتاج الجديدة مثل “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية”). الهدف المعلن هو “الارتقاء” بالذوق العام، ومحاربة الأفكار المتطرفة، وتقديم “نماذج” إيجابية (مثل الأعمال الوطنية) لتعزيز قيم الولاء والانتماء.

المحور الثالث: “البرمجيات” (الانتشار والوصول اللامركزي)

المحور الأخير والأكثر تأثيراً على المدى الطويل، هو محاولة “توزيع” الثقافة وعدم تركها حكراً على النخب في القاهرة والإسكندرية.

  • “حياة كريمة” (The Decent Life Initiative): لأول مرة، تم دمج “الثقافة” كعنصر أساسي في “مشروع تنموي” (حياة كريمة). هذا يعني أن “القرية” المصرية أصبحت تتلقى (مكتبات جديدة، مسارح متنقلة، قصور ثقافة مجددة). الهدف هنا “سياسي-اجتماعي” بامتياز: استخدام الثقافة والفن “كـخط دفاع” أول في مواجهة الأفكار المتطرفة والجهل، وبناء “وعي” نقدي لدى النشء في الأماكن الأكثر احتياجاً.
  • “الوصول للجميع” (Accessibility): إلى جانب “اللامركزية” الجغرافية، كانت هناك جهود لـ “اللامركزية” السعرية، مثل مبادرات (كتب مخفضة السعر) في معارض الكتاب، والتوسع الهائل في “معرض القاهرة الدولي للكتاب” لجعله “عيداً” ثقافياً شعبياً متاحاً للجميع.