المقدمة: السباق ضد الزمن
يمر الاقتصاد المصري حالياً بـ “سباق” مزدوج؛ سباق لسد الفجوة التمويلية الدولارية، وسباق لإعادة هيكلة الاقتصاد ليكون “مدفوعاً بالقطاع الخاص”. في هذا السباق، لا يكفي “التحليل” التقليدي، بل نحن بحاجة إلى “تشخيص استراتيجي” (SWOT Analysis) لفهم نقاط القوة المتأصلة، والضعف الهيكلي، والفرص (الجهود) التي يتم خلقها، والتهديدات المحيطة.
إن “جهود الدولة” التي نشهدها اليوم ليست مجرد إصلاحات، بل هي “عمليات جراحية” مصممة لمعالجة “الضعف” والاستعداد لـ “التهديدات”.
أولاً: نقاط القوة (Strengths) – (الأصول المتأصلة)
هذه هي “الأعمدة” التي يقف عليها الاقتصاد المصري بغض النظر عن الظروف:
- الموقع الاستراتيجي (Suez Canal): ليست مجرد “قناة”، بل هي “شريان” عالمي. التطوير المستمر لـ “المنطقة الاقتصادية لقناة السويس” (SCZone) يحولها من “معبر” إلى “مركز لوجستي وصناعي” عالمي.
- السوق الضخم (Population): أكثر من 110 مليون مستهلك. أي مستثمر في قطاع “السلع الاستهلاكية” أو “الخدمات الرقمية” يرى هذا الرقم كسوق داخلي هائل لا يمكن تجاهله.
- القوى العاملة (Labor): وفرة في القوى العاملة بتكلفة تنافسية مقارنة بالأسواق المماثلة، خاصة في قطاعات (التصنيع، الاتصالات، والبناء).
- الطاقة (Energy): مركز إقليمي للطاقة (غاز طبيعي)، وبنية تحتية متنامية بقوة في “الطاقة الجديدة والمتجددة” (الهيدروجين الأخضر، الطاقة الشمسية).
ثانياً: نقاط الضعف (Weaknesses) – (التحديات الهيكلية)
هذه هي “المشاكل” الداخلية التي تدركها الدولة وتعمل “جهودها” على حلها:
- البيروقراطية (Bureaucracy): التحدي التاريخي الأول. “الروتين” الحكومي، تعدد جهات الموافقة، وطول زمن استخراج التراخيص كان “القاتل” الأول للاستثمار الأجنبي المباشر.
- تقلبات العملة (Currency Volatility): عدم استقرار سعر الصرف في السنوات الأخيرة خلق “ضبابية” لدى المستثمرين الأجانب في حساب “تكاليفهم” و”أرباحهم”.
- “المزاحمة” (Crowding Out): التوسع التاريخي للقطاع العام والشركات المملوكة للدولة في بعض القطاعات غير الاستراتيجية، خلق “منافسة” غير متكافئة قللت من جاذبية الدخول للقطاع الخاص.
ثالثاً: الفرص (Opportunities) – (الجهود والإصلاحات الحالية)
هذا هو “لب” الموضوع. “جهود الدولة” هي تحويل “نقاط الضعف” إلى “فرص”.
- “الرخصة الذهبية” (The Golden License): هذا هو “العلاج” المباشر لمشكلة “البيروقراطية”. الرخصة الذهبية هي “موافقة واحدة” (Super-Approval) تصدر مباشرة من مجلس الوزراء وتلغي الحاجة للمرور على عشرات الجهات. إنها “مسار سريع” (Fast Track) مصمم لجذب الاستثمارات الكبرى والاستراتيجية.
- “وثيقة سياسة ملكية الدولة” (The Privatization Program): هذا هو “العلاج” المباشر لمشكلة “المزاحمة”. هذه الوثيقة هي “خارطة طريق” واضحة لـ “تخارج” الدولة (بيع حصص أو إدارة) من قطاعات معينة، وفتحها بالكامل للقطاع الخاص. الطروحات الأخيرة (سواء لمستثمرين استراتيجيين أو في البورصة) هي “الفرصة” الأكبر للمستثمرين للدخول في قطاعات كانت “مغلقة” سابقاً.
- “تحرير سعر الصرف”: رغم “ألمها” قصير المدى، إلا أن خطوة “توحيد سعر الصرف” الأخيرة (مارس 2024) كانت “الفرصة” التي انتظرها المستثمرون. لقد أزالت “الضبابية” (الضعف)، وأصبح لدى المستثمر “سعر واحد” وواضح للدخول والخروج.
رابعاً: التهديدات (Threats) – (العوامل الخارجية)
هذه هي “الرياح المعاكسة” التي لا تتحكم فيها مصر بشكل كامل:
- اللااستقرار الجيوسياسي: التوترات الإقليمية (في غزة، السودان، والبحر الأحمر) ترفع “علاوة المخاطرة” (Risk Premium) للمنطقة بأكملها، وقد تؤثر على قطاعات حيوية مثل “السياحة” و”اللوجستيات”.
- المناخ الاقتصادي العالمي: “أسعار الفائدة المرتفعة” عالمياً تجعل “المال” “غالياً”. المستثمرون يفضلون “الأمان” في أسواقهم (مثل السندات الأمريكية) بدلاً من “المخاطرة” في الأسواق الناشئة.